الخميس، 10 مايو 2018

قصة .. كراسة


كراسة

من الخارج برزت عصاه قبل أن يدخل الفصل ، خبط بها على الباب خبطتين ألزمتا الشارد منا بالإسراع إلى مكانه ، والتزمنا جميعا بالسكوت ، مدرس الإملاء .. يبدو بدينا مثل أبى ، وله زعقة تحرك الأدراج ،  قال : جلوس
كنت في مقعدي أرتجف ، غير قادر على الإمساك بالحقيبة البلاستيك .
-         طلعوا الكراريس
كان أبى قد صنع بالحقيبة فاصلا من البلاستيك ، فأصبح "للكراريس" والكتب ناحية ، وناحية لـ"لقمة" تدسها أمي فتتفتت من شدة جفافها كما أزعم ، أو من شقاوتي كما تزعم أمي ، أدخلت يدي في الناحية المستندة إلى بطني ، ارتعشت أصابعي قلبت الحقيبة ، ونظرت ناحية السبورة ، كان الأستاذ يكتب التاريخ الهجري على اليمين والأفرنجى على اليسار وفى المنتصف الأعلى من السبورة كتب : رحلة إلى الأقصر.. يدي لا تزال تبحث .. أخرجت المسطرة الخشبية ولاحت لي الأيام الماضية سوداء .. طلب الأستاذ ممن لا يملك كراسة أن يخرج إلى جانب السبورة .. سبعة وقفنا .. الصباح بارد والعصا قوية والويل لمن يسحب يديه وهو يضرب ستلتف العصا حول ظهره فيتلوى .
-         أمي .. أريد كراسة .
-         كل يوم كراسة .. ألم نشتر كراسة منذ أسبوع ؟
-         كانت للحساب .
-         والتي قبلها ..؟
-         كانت للعلوم وأريد كراسة للإملاء .
-         انتظر حتى يحضر أبوك .
يزعق أبى ، يلعن المدارس ، ثم يقول وهو خارج للغيط : انتظر حتى يحلها الحلاّل.
وطلب الأستاذ ممن لا يملك كراسة أن يخرج إلى السبورة .. كنا أربعة وكانت حصة الضرب قد زادت .. بكيت .. بل كرهت الأستاذ وكرهت البقال الذي أعطى لأمي الشاي ولم يعطها كراسة قال لها : ليس عندي كراسات ، ألحت عليه أمي فقال لها : قلت لك ليس عندي .. من يسمعك يظن أنك دفعت ثمن الشاي ، حكت أمي لأبى ما حدث وسمعتها ، فبكيت ، وأردفت أمي لأبى :
-         إما أن تحضر له كراسة أو تقعده بالبيت
 ومنذ يومين كنا ثلاثة ، أقسمنا للأستاذ أن نحضرها في الغد فسامحنا غير أننا لما فارقنا السبورة إلى مقاعدنا ضربنا على ظهورنا ولطمنى بيده .
البارحة أشبعني ضربا كنت وحدي الذي لم يحضرها .. ليلة أمس أحضر أبى الكراسة وقبلته ، وشرعت في نقل الدروس الفائتة .. في تلك الليلة كان أبى يملك نقودا كثيرة ، أعطى البقال حقه ولم يعد يصرخ في أمي ، وفضلا عن الكراسة أعطاني مصروفي وجريت إلى أمي وأنا أصرخ في الفراش ، قالت : ما بك ؟ قلت : كنت أحلم يا أمي وليس لدى الكراسة ، مسحت دموعي بطرف ثوبها ، وبكت ، وقالت سنحضرها عصر اليوم ، وبكت مرة ثانية وقبلتني وقالت على غير آذان : يا رب تفرجها .
السماء كانت غائمة صباح اليوم ، طلبت من الله أن تمطر السماء فيصير الطريق الزراعي وحلا لا تسير عليه دابة ولا أتوبيس ، ولا يأت الأستاذ بل يموت . أريد له أن يموت حتى لا يضربني في ذلك الصباح البارد على أصابعي .. ما أمطرت السماء ولا مات الأستاذ ، لكنه لم يطلب خروجي للسبورة ، ربما لم يتذكر بعد ، ها هو يملى على زملائي ، وها هم قد كتبوا نصف الموضوع ، رأسي منحنية وراء الدرج . لم يرني .. لكن قلبي كان يرتجف من هذا الولد الجالس بجانبي ، كل دقيقة يهمس في أذني : سأقول .. سأقول .. همست .. أرجوه فسكت . جمع الأستاذ الكراسات وصرخ ففزعت قال : بقى واحدة .
انكمشت ، أحسست أنني أختنق وارتعشت أصابعي ، وحين أشار الأولاد نحوى انفجرت في البكاء وقلت : أنا يا أستاذ .
طلب أن أخرج إلى السبورة ، شعرت أنني سأموت ، سيتضاعف الجزاء هو لا يرحم أو يعلق لافتة على ظهري كتب عليها بليد الفصل ، ويزفني الأولاد .. صرخ الأستاذ : أسرع .
وقال : ليس منى فائدة ، ثم زعق وطلب أن أمسك بإصبع الطباشير فأسرعت في ذلك ، أملى علىّ الأستاذ ، انتهى عند معبد الكرنك وقال بهدوء : تعال العصا فوق دفتره .. تقدمت إليه بخوف قال : خطك جميل ما اسمك ؟ قلت : "زكريا" ، ولم لا تحضر كراسة يا زكريا .. لم أردّ .. انفجرت في البكاء .. رمق سروالي وشد ناحية منه إلى أعلى فصارت بمستوى الأخرى .. وضم بيده مكان الأزرار المقطوع من مريلتي ، ثم ربت على كتفى ، وقال للتلاميذ : زكريا خطه جميل وله هدية عندي سأمنحه كراسة للإملاء .. ففرحت والدموع لا تزال تبلل وجهي ، مسح الأستاذ دموعي وطلب أن يصفق لي الأولاد .

1985
من المجموعة القصصية عود ثقاب

قصة / فريد محمد معوض

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصة .. كراسة

كراسة من الخارج برزت عصاه قبل أن يدخل الفصل ، خبط بها على الباب خبطتين ألزمتا الشارد منا بالإسراع إلى مكانه ، والتزمنا جميعا بالسكو...