كتابة حتى الموت
( حول تجربتي في
الكتابة للطفل )
قبل الكتابة للطفل
كان لابد أن أكتب فقد كانت الكتابة استجابة لشيء يثور بداخلي ، من هنا كانت علاقتي
بالقصة والرواية علاقة حتمية . يقول الناقد الجزائري "الطاهر جادوت" :
ستموت إن كتبت
وستموت إن لم تكتب
فاكتب ومت
ربما كانت الكتابة
على إطلاقها هي المضاد للموت للسكون ، للجمود حين يسور ، لم أتصور نفسي وأنا صغير
سوى أن أكون كاتبا ، لم يكن المقصود في تلك السن الصغيرة هو اتجاهي لكتابة الشعر
والقصص فحسب ، المهم أن يكون لي قلم وقرطاس ، ونسخة من الوقت بداخلي أن أمتلك
وسيلة للكتابة ويصبح لي دور أمارسه وكانت يعني أيضا أن يكون لي ذاتا مختلفة وضعا
مختلفا ، وكان يمكن أن أجد ذاتي في شيء آخر لكن قلبي كان قد حسم الاختيار كنت أرى
في القلم والورقة قربا ليس له مثيل ، لأنه لا يمكن أن يتحقق ما تنشده وأنت ما زلت
طفلا فقد كنت أبحث عما أنشده بنفسي كتبت الشعر ، ودبجت موضوعات أعجبت الكثيرين
ومارست الصحافة من خلال مجلة حائط لم أكن أطمع في دعم المدرسة لي فقط يعلق الأستاذ
مجلتي على حائط المدرسة وأن يتوقف أمامها القرار لبضع دقائق ، وعندما يتحقق ذلك
تراني حلقت في سماء قريتي كعصفور سعيد .
وأذكر أنني راقبت
أستاذا يقرأ مجلتي المعلقة على الحائط .
كنت أتابعه من
مكمني وقلبي يرقص فرحا .
لست هنا بصدد
الحديث عن المؤثرات والمنابع التي استقيت منها والتي تتعدد بدءا من مشاهد الحياة
في قسوتها وبهجتها وفي تلك النشأة الدينية التي ساهمت في حقل الغنى من خلال
القراءات الدينية وفي ذلك الفلكلور الذي كان يملأ قرانا قبل الغزو التليفزيوني
الكبير ولست بصدد الحديث عن القرارات التي أتيحت لي في ذلك الوقت .. لكني وبعد أن
كتبت مجموعة قصصية ورواية لقيتا قبولا وفرحا .
اكتشفت أن الكتابة
كانت بالنسبة لي هي الحياة وأن التراجع هو الموت .
لكن كيف كانت
البداية في الكتابة للطفل ، وأعود لأذكر استهلالي أن البداية كانت أيضا مع الكتابة
إذ أنني ولا أدري لماذا كنت في مجموعتي الأولى للكبار أفتش عن مكمن الطفولة محاولا
اصطياد اللحظات البكر التي كانت تضع الصغار في مواجهة الحياة .. وتضع الكبار في
موقف الطفولة وكأن الحياة تريد أن تزاوج بين الاثنين .. نمرة تكون القصة .. منظور
الطفل فهو الراوي لها يرصدها ويسردها في حياد تام وكأن الأمر لا يعنيه غير أنه
يحاول أن يصل إلى هدفه الذي يراه كبيرا ومرة تكون بضمير الغائب ويبدو الصغار أمام
قسوة الحياة وفي ظل غياب البطل أو العائل مساكين لا سند لهم .
هل كان الطفل يتربص
بي منذ شعرت للكتابة هل كان ينتظرني تحت ظلال الصفصاف بعد أن أنتهى من قصصي
ورواياتي التي اكتبها للكبار .. صحيح أن ما أشير إليه من قصص الكبار كان عن الطفل
وليس موجها للطفل أيا كان فالطفل مشارك في الحالتين وقسوى الحياة تعم الطرفين
عندما يسود الحال لكن لماذا لا يكون الاتجاه للطفل مباشرة .. بعيدا عن وصاية
الكبار وعن وسيط يكون معنيا في التصرف وعليه قد يعبث في بروح الطفل ..
وظل السؤال دون
إجابة وربما كان سيجد الإجابة فيما بعد وربما افتقدها للأبد ..
غير أن إعلانا عن
مسابقة سوزان مبارك في أدب الطفل طالعته عام 1988 كان له مفعول السحر .. مطلوب
مجموعة قصصية للطفل .. الطريف أنه كان لدى قصة بعنوان "كراسة" كتبتها
للكبار ونشرت في جريدة المساء عام 86 ونشرت بعد ذلك في مجلة إبداع عام 90 .. رأيت
أنها تصلح للطفل وجعلتها نواة للمجموعة قبل أن أشرع في كتابة مجموعة من أتني عشرة
قصة تحت عنوان " ودائما تشرق الشمس"
وتفوز المجموعة بالجائزة .. وتكون قد "كراسة" واحدة من تلك
المجموعة .
ونشرت مجلات الطفل
قصة "كراسة" كما نشرتها مجلات الكبار .. وأذكر رأى كاتبنا الرائد يعقوب
الشاروني عام 1989 عندما وصف هذه القصة بأنها من أروع ما قرأ .. توقفت كثيرا عند
دلالة ذلك .. فالبعض يتصور أن الكتابة للطفل تمثل مستوى أقل في الكتابة وهذه قصة
حققت تواصلا مع الكبار والصغار ورأيت أيضا فيما بعد عندما تناقشت مع الأستاذ يعقوب
الشاروني بأن كيانه يتجه للطرفين .. الصغار والكبار عند الكتابة لتكون القصة
للجميع .. طبعا هناك إحساس يمتكله كاتب الطفل لتنظيط المسألة فليس كل ما نقدمه
للكبار يمكن أن نقدمه لأطفالنا .. هذا الإحساس هو بمثابة المصفاة التي تحجز
الشوائب التي قد تضر الطفل .
كان رأى الأستاذ
يعقوب الشاروني في "كراسة" قد أكد يقيني في أن القصة قصة يجب أن تتوافا
عناصرها وشروطها سواء كانت للكبار أو للأطفال وأكد هذا الدرس احتفاء مجلات الطفل
بكراسة .. وخلال احتكاكي بالأطفال عبر مواسم القراءة للجميع لمست قدرة الطفل على
مجارة خيال الكاتب وكذلك رغبته في التجديد فالطفل أسرع من الكبار في ضيقه من الجمل
التقريرية ويضيق من المقدمات الغير مهمة وينفر من الحشو الزائد وكما يقول النفري
تتسع رؤيته كلما ضاقت العبارة وجاءت تلغرافية مكثفة ومركزة وأكثر ما لسمته من
معايشتي أن أنظر بعينه وأسمع بأذنه وأغني معه حين يغني وأصفق له أن أحسن وأترك له
حرية أن يرفض النص أيا كان ثقتي فيه .. وزادت سعادتي باحتفاء المجلات بسائر القصص
التي كتبها للطفل ، وهنا كانت البداية مع .. ماجد وسمير .. ثم مجلات مصرية وعربية
كثيرة ثم جوائز مصرية وعربية كان لها طعم الفرح .
وآليت على نفسي أن
أمضي في خطين متوازيين الكتابة للكبار والكتابة للأطفال .
فلم يكن من السهل
أن أتخلى عن مشروعي القصصي والروائي .
وإذا كانت الحياة
الأدبية قد استقبلت قصصي ورواياتي باحتفاء شديد فمن الأمانة أن أقرر أن فرصتي بما
أنجزت للأطفال كان يفوق فرحتي بما حصلت عليه من تقدير النقاد لأدبي الموجه للكبار
. وآلمني أن يكون هناك نقاد في أدب الطفل وحاولت مع أصدقاء لي ممارسة هذا الدور
لإنصاف أدب الأطفال الذي ينظرون إليه بنصف عين وحتى لا أستطرد في هذه المشكلة
الكبيرة .. أعود إلى الكتابة للطفل ، لقد سألت نفسي ما فائدة أن تكتب للطفل وليس
لك مشروعك الخاص ، وهذا درس تعلمته في الكتابة للكبار ، فقد كنت أبحث في أرض
القرية المصرية عن خصوصيتي وأفتش فيها عما يقربتني إلى طبيعة الشخصية المصرية
الصلبة إبمانا مني بأن من يكتب عما يعرفه سيقع شوطا كبيرا في طريق النجاح .. صحيح
أنني كتبت عن الأعظمية بالعراق لكنها كانت نتاج معايشة لمدة أربع سنوات وكان هناك
في الرواية دائما خط ساخن بين القرية والأعظمية فلماذا لا يكون هذا دأبي مع الصغار
.. كتبت مجموعة من القصص التي تحتفي بطفل القرية وتمنحه البطولة وتضع على عاتقه
المسئولية في مواصلة طموحه .. حاولت أن أرد إليه بعضا من حقوقه عن الطريق النهايات
السعيدة التي كانت تقربه من هدفه أو النهايات المحفزة التي تجعله يفكر فيما يدو
حوله ، ووافقته في تطلعه إلى الألفية الثالثة وعصر الصورة والمعلومات لكني حرصت
على أن أذكره بتراث أجداده من الفلاحين وحرصهم على القيم الأصيلة التي كانت تعضد
بنيان الأسرة فكتبت بابا بعنوان "زمان في قريتي" نشرته في مجلة قطر
الندى على مدى خمسين عددا منها .. يمكن من خلالها أن تتعرف على القرية في أبهى
تجلياتها فقد حرصت على تقديم العادة الجميلة فقط .. تصورت أن معرفة الطفل بها وهو
يواجه عصرا جديدا يمثل أهمية كبيرة ، كما كتبت له الرواية مثل "سيناء
تغني" و "التبة المسحورة" التي حولتها بنفسي إلى دراما تليفزيونية
وبعدها كتبت أكثر من مسلسل .. أحد هذه المسلسلات بعنوان "تعالوا نكتب
قصة" أعرف الطفل بفن القصة من خلال موقف مؤثر بأن يبقى بذاكرته .. وحرصت على
التنويع فيما أطرح من موضوعات تقوم على مصارحة الطفل بواقعه عن طريق الإبداع قدمت
إليه ما يعمق انتماءها بوطنه وأمته وكتبت مجموعة من القصص عن أطفال الحجارة ..
وكتبت سلسلة قصص لأطفال ما قبل المدرسة وكانت لي تجربة ناجحة مع الدكتور محمد
متولي قنديل رئيس قسم الطفولة بكلية التربية جامعة طنطا أثمر التعاون بيننا عن
تقديم عمل علمي متميز حيث قام باستثمار قصص بشكل متميز تعطي لقسم لطفولة تفوقا غير
مسبوق في استعانته بكتاب الطفل ، ونشرت دار الحدائق اللبنانية سلسلة كتب لي تتجه
إلى هذا السن .. وهي الدار التي تصدر مجلة أحمد والتي أعمل مندوبا لها وأراني الآن
بعد أصدرت خمسة عشرة كتابا قد عرفت طريقي وأتجه بفرح لا حدود له نحو تحقيق مشروعي
، وهل هناك مشروع أجمل من أن تقدم للطفل قبسا من روحك ، وقد شح صدره بوردة حب ،
هذا هو ما أفكر فيه دوما وهذا هو ما أطرحه مع الأصدقاء في صالون أدبي أقيمه بمنزلي
منذ ما يقرب من عشرين عاما ، نناقش القصص والروايات والقصائد ونركب البساط السحري
ونسافر مع الطفل أينما يود أن يذهب .
أعتقد أننا نمارس
هذا الدور في مكتبة سوزان مبارك حيث استطاع الكاتب الرائد يعقوب الشاروني أن
يجمعنا من جديد ، وأقول من جديد لأنه كان يجمعنا من خلال المركز القومي لثقافة
الطفل إبان رئاسته له في أوائل التسعينات من القرن الماضي .. وكما خرجنا أيامها
بثمار حلوة خرجنا من لقاءاتنا في مكتبة سوزان مبارك بمجموعة رائعة من الدراسات
للدكتور صلاح ترك أن يواكب بها مجموعة من إصدارات كتاب الطفل ، وها نحن نواصل
خطواتنا ونلاحق فراشات الإبداع حين تحط على أشجار الروح .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق